الشيخ محمد هادي معرفة

282

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

* ويبيّن أنّ الآلهة الذين يعبدون من دون اللّه ، لا يسمعون ولايجيبون ، لأنّهم لايعون ولايتبيّنون ، وأنّ دعاء عبّادهم لهم عبث لا طائل وراءه ، فيختار صورة تبيّن هذا المعنى ، وتجسّم هذه الحالة : « وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ » . « 1 » هكذا ينعق الكفّار بما لا يسمع ، وينادون مالايفهم ، فلا يصل إليه من أصواتهم إلّا دعاء مبهم ونداءٌ لا يفهم . فهؤلاء الآلهة لايميزون بين الأصوات ولا يفهمون مراميها . وهذا مثل ، ولكنّه صورة شاخصة . صورة جماعة يدعون آلهة تصل إليها أصواتهم مبهمة ، فلا تفهم ممّا وراءها شيئا ، وفيها تتجلّى غفلة الداعين وعبث دعوتهم ، بجانب غفلة المدعوّين واستحالة إجابتهم . * ويريد أن يجسّم ضعف هؤلاء الآلهة ، أو الأولياء من دون اللّه عامّة ، ووهن الملجأ الذي يلجأ إليه عبّادهم حين يحتمون بحمايتهم ، فيرسم لهذا كلّه صورة مزدوجة : « مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ » . « 2 » فهم عناكب ضئيلة واهنة ، تأوى من حِمى هؤلاء الآلهة أو الأولياء إلى بيت كبيوت العنكبوت أوهن وأضأل ، « وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ » ولكنّهم لا يعلمون حتى هذه البديهة المنظورة ، فهم يضيفون إلى الضعف والوهن الجهل والغفلة ، حتى ليعجزون عن إدراك البديهيّ المنظور . * ويريد أن يبيّن أنّ الذي يشرك باللّه لامنبت له ولا جذور ، ولا بقاء له ولا استقرار . فيمثّل لهذا المعنى بصورة سريعة الخطوات عنيفة الحركات : « وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ » . « 3 »

--> ( 1 ) - البقرة 171 : 2 . ( 2 ) - العنكبوت 41 : 29 . ( 3 ) - الحج 31 : 22 .